هل يعاني المجتمع العربي من أزمة في إنتاج المعرفة؟ أم في استهلاكها؟ أم في كليهما معاً؟ وهل المجتمعات العربية مؤهلة بالفعل لنهضة معرفية؟ وهل المحتوى العربي هو هدف بحد ذاته؟ أم أنه مؤشر لحجم النهضة المعرفية العربية ولمدى اندماج الأمة العربية في الثورة المعرفية العالمية، التي انطلقت برافعة رقمية؟.
سوريا ومجتمع المعرفة:
قد تكون سوريا من أكثر البلدان العربية قدرة على قيادة نهضة معرفية عربية، وهذا الأمر لا ينطلق فقط من عامل اللغة العربية التي يحاول البعض تحميلها أكثر مما تحتمل، ولكنه مرتبط أكثر بالفكر الاستقلالي في سوريا، والذي جعل من سوريا واحدة من الدول القليلة القادرة على اتخاذ قراراتها المستقلة، ووضع كافة مستلزمات تحقيقها، لكن هذا للأسف ترافق تاريخياً مع مبالغة في الخصوصية، وفي عدم قراءة للتجارب الأخرى، وفي عدم منح المبادرات ما تستحقه من اهتمام، مما جعلنا دوماً نقف في منتصف الطريق ونفسح المجال لغيرنا لحمل الراية بعد أن نقوم بشق الطريق له، وإن كنا ربما أفضل من يطلق المبادرات، فإننا للأسف نادراً ما نتمكن من استكمالها بنجاح.
بعض التجارب السابقة:
لن نقف كثيراً عند محاولات البعض لحصر القضية المعرفية ببعدها التقني، فالصناعات المعرفية تشمل كل ما تشكل المركبة المعرفية فيه نسبة هامة من إجمالي القيمة المضافة، وهذا يتضمن كامل سلسلة القيمة المضافة (دورة الحياة الإنتاجية) بدءاً من الجهة التي تقوم بوضع المصنف الفكري انتقالاً إلى الجهة التي تقوم بأداء المصنف الفكري إلى الجهة التي تقوم بتوزيعه وصولاً إلى الجهة التي تقوم بالاستفادة منه، وبناء على هذا الفهم نبين بعض التجارب وملاحظاتنا الأولية على كل منها.
الإنتاج التلفزيوني السوري:
أعتقد أن تاريخ الإنتاج التلفزيوني في سوريا يعود لسنوات طويلة مضت، وقد أدى هذا التراكم في الخبرات إلى انطلاقة هامة لهذه الصناعة، وذلك بعد أن استكملت عوامل السوق (سلسلة القيمة المضافة المذكورة سابقاً)، وهي: الجهة المستهلكة (الفضائيات العربية)، والجهة المنتجة (شركات الإنتاج السورية والعربية)، والموارد البشرية، وهي الكوادر السورية التي اكتسبت خبرات في التمثيل والإخراج والتأليف وباقي الجوانب التقنية الضرورية للقيام بالعمل. وبعيداً عن التفاصيل التقنية المتعلقة بكل عمل من الأعمال، والتي نتركها للمختصين، فإنه من الواضح أن هذه الصناعة قد بدأت بالمعاناة ودخلت في مرحلة التخبط بسبب عدم قدرتها على البناء على النجاحات والانتقال إلى مراحل تالية، ولهذا فهي تقاد الآن باعتبارات التمويل فقط، وهذا الأمر نعتقد أنه مرتبط بالأسلوب الفردي الذي بنيت عليه هذه الصناعة، ولم تتمكن الجهات الإنتاجية من تشكيل تجمع مهني يحمي مستقبل الصناعة، ولم تعمل الجهات الحكومية على تغطية هذا النقص، وبالتالي نعتقد أن هذه الصناعة تقف الآن في منتصف الطريق، وهي تنتظر قيام جهات أخرى بحمل الراية والانتقال إلى مراحل تالية.
صناعة البرمجيات:
لقد امتازت سوريا بوجود خبرات هامة في مجال صناعة البرمجيات، وقد ترافقت هذه الخبرات مع توجه حكومي للاعتماد على الذات في تطوير بعض النظم المعلوماتية، وبعد أن انطلقت هذه الصناعة في منتصف التسعينيات تلقت مجموعة من الضربات المؤلمة التي أدت لترنحها، ولم يشفع للشركات العاملة في هذا القطاع قيامها بتشكيل تجمع مهني ضم عشرات الشركات في تاريخه عام 2003، لمحاولة تأمين عوامل النمو لهذه الصناعة، فقد أدت الحرب التي واجهتها هذه الشركات من داخل البيت لجمود كامل، ونعتقد الآن أنه قد تبين الضرر الذي نجم عن تجميد السوق لتلك السنوات، بعد أن بدأت كليات الهندسة المعلوماتية بتخريج دفعات متتالية (وصلت إلى خمس دفعات حتى الآن)، حيث تبين أن هذا التوجه قد أضر بهؤلاء الخريجين بعد عدم تمكن معظمهم من إيجاد فرص عمل محلياً، ومن وجد فرصة عمل، فهي لا تتناسب مع خبراته، وهذا أمر منطقي حينما لم يسمح للسوق بالنمو، والأمر الأخطر أنه حتى الذين فكروا بأن يطلقوا مشاريعهم الخاصة، فإن نقاط قوتهم كانت تتركز في مجال إنتاج الأدوات البرمجية، وهي تشكل أحد فروع الصناعة، وبالتالي فعدم نمو سوق صناعة البرمجيات قد جعلهم يفقدون زبائنهم المحتملين وهم شركات البرمجيات التي ستستخدم هذه الأدوات، والآن نعتقد أننا نقف على عتبة مشابهة في صناعة فقدنا معظم مقوماتها، ولم يعد بين أيدينا النموذج الاقتصادي القابل للحياة.
الإعلام الإلكتروني:
من المعلوم أن سوريا تعاني من ترهل شديد في إعلامها التقليدي، وبالرغم من التغييرات الإيجابية التي حصلت خلال السنوات الأخيرة، إلا أن هذه التغييرات لم تتطور لتحدث تغييراً فعالاً في الإعلام التقليدي لأسباب لا مجال لذكرها الآن، وقد برز الإعلام الإلكتروني السوري مستفيداً من هامش الحركة الواسع نسبياً، ورغم أن الفرصة قد كانت سانحة لتحقيق بعض الخروقات في مجال الإعلام الإلكتروني، إلا أن هذا القطاع قد وصل كما نعتقد للمرحلة التي لم يعد من الممكن أن يتابع نموه دون وجود تدخل فاعل، وبالرغم من المزايا التي امتلكها الإعلام الإلكتروني إلا أنه عانى من غياب الأسس المؤسساتية والناظمة التي تسمح بنموه دون تشوه، ولهذا فلم يصل هذا القطاع إلى القدرة على التأثير على المستوى الإقليمي، وربما امتلك قدرة محدودة للتأثير المحلي بسبب محدودية انتشار أقنية الاتصال مع الجماهير. وهنا ربما من المفيد التوضيح أن مفهومنا للتنظيم لا يعني الحد من حرية الإعلام الإلكتروني بل على العكس دعمه بمقومات النمو المناسبة.
العامل المشترك: غياب السياق الثقافي:
قد لا تقتصر التجارب السورية المتعثرة على الأمثلة الثلاثة السابقة، فهناك صناعة السينما وصناعة المصنفات الموسيقية بأشكالها المختلفة وصناعة الألعاب والتعلم الإلكتروني وغيرها من الصناعات المعرفية التي ربما نمتلك بعض مقوماتها، والسؤال الهام هو لماذا لم نتمكن حتى الآن من الوصول لنتيجة مقبولة في أي من هذه المجالات يمكن البناء عليها لتحقيق الاختراق الاستراتيجي الذي يسمح لنا بالبناء على الكنوز الثقافية والمعرفية التي لدينا، ونعتقد أن الإجابة تكمن في الإطار الاستراتيجي الذي رضينا به لأنفسنا، والذي لا نعتقد أنه قابل للحياة، فالدراما السورية (على سبيل المثال) قد تم إطلاقها بشكل رئيس للتصدير إلى الأقنية الفضائية العربية، والمشاهد السوري عليه أن يتابع إنتاجه عبر إحدى الأقنية العربية، وذلك كون قطاع البث التلفزيوني مازال غير ناضج محلياً، والمنافسة مازالت غير متاحة فيه، وعندما قررت الحكومة أن تدعم الدراما السورية قررت دعمها عبر إنشاء محطة تشتري الإنتاج، وليس عبر تدخل فاعل يؤثر في القطاع بطريقة تحفز نموه، بل على العكس، فمشاريع إنشاء أقنية إعلامية لم تكلل بالنجاح، وإنشاء قناة حكومية أو أكثر لن يؤدي إلا لإضعاف أكبر لهذه الصناعة. الأمر نفسه ينطبق على قطاع صناعة البرمجيات الذي طلب منه أن يصدر للدول الأخرى، بينما هو غير قادر على البيع محلياً، وقد أقفلت في وجهه السوق المحلية لعدة سنوات، واتبعت الحكومة طرقاً ضارة في الحصول على احتياجاتها من البرمجيات، بل وصل الأمر لطرح نظريات أدت لخنق هذا القطاع، وأضعفت قدرته على النمو. الأمر نفسه أيضاً ينطبق على الإعلام الإلكتروني الآن، فالإعلام الإلكتروني الآن يؤثر في شريحة محدودة من القراء في سوريا، وذلك كون معظم السوريين غير متصلين بالإنترنت، ولم يتم وضع الأسس التي تسمح باستخدام الإعلام الإلكتروني كرافعة للإعلام التقليدي، وبهذا تم حشر الإعلام الإلكتروني في زاوية من الصعب الخروج منها، وأصبح دور معظم المواقع الإلكترونية هو إعادة نشر المواضيع الصحفية فقط.
مما سبق، يتبين أن المشكلة المشتركة في المبادرات السابقة هي في التركيز على الإنتاج (بمفهومه التقني) دون إيلاء الاستهلاك الأهمية المطلوبة، وبمعنى آخر، فقد تم التركيز على توليد المحتوى الرقمي وآليات توليده دون إيلاء الاهتمام بتنمية المجتمع الرقمي في سوريا، وبالتالي لم يتم وضع صناعة المعرفة في إطارها الثقافي الذي لا غنى عنه، وإننا نخشى من أن استمرار هذا التوجه لن يؤدي إلا لإضافة مجموعة جديدة من التجارب التي تدل أي منها على أننا نملك نقاط قوة، ولكننا للأسف لا نستطيع أن نضعها في أطر استراتيجية قادرة على إحداث النهضة المعرفية المطلوبة.
هل نحن بحاجة لاستراتيجية للمحتوى الرقمي العربي؟
رغم أهمية المحتوى الرقمي العربي، فإننا نعتقد أنه أحد المحاور الاستراتيجية الهامة، ولكنه لا يمكن أن يشكل إطاراً كافياً بحد ذاته، ولهذا ربما من المفيد العودة إلى وثائق الاستراتيجية السورية لتقانات المعلومات والاتصالات التي وضعت المحتوى الرقمي العربي ضمن (المبادرة الوطنية لمجتمع المعرفة)، حيث ورد المحتوى العربي كأحد الأسس الخاصة بهذه المبادرة كما يلي:
(تشجيع إنتاج المضمون المعرفي والثقافي والإعلامي والاجتماعي والترفيهي العربي على الإنترنت) أما فيما يتعلق بالاستراتيجية العربية لتكنولوجيا المعلومات والاتصالات، فقد ورد محور (تنمية خدمات المحتوى الرقمي العربي) كأحد محاور الهدف الاستراتيجي التالي: (خلق سوق تنافسي لمجتمع المعلومات العربي)، مما يعزز الفكرة نفسها.
وفي هذا السياق نعتقد أن مؤتمر المحتوى العربي الأول قد كان مناسبة لإحياء هذه المبادرة التي ربما تم إغفالها، فبالرغم من التزام سوريا بما ورد في وثيقة الاستراتيجية، إلا أن هذا لم يكن كافياً، وكان من الضروري إطلاق مبادرة واضحة المعالم، فالقضية تتجاوز بكثير البعد التقني الذي تم العمل عليه، إلى بناء أطر عصرية للنهضة الثقافية العربية المتفاعلة مع البعد التكنولوجي (الذي لا ننكر أهميته)، ونعتقد أن هذا الإطار هو الذي يسمح لسوريا بقيادة نهضة رقمية عربية طال انتظارها.